محمد أبو زهرة
3839
زهرة التفاسير
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ، الكيل المراد به المكيل ، فهو مجاز لتلاقى الاشتقاق ، وذلك لإحضار أخينا فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا أو نقول : إن الكيل على حقيقته ، أي منع أن يكال لنا ، و نَكْتَلْ معناها يكال لنا ، ونكتل مجزومة في جواب الأمر ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وعدوا وأكدوا الوعد ب ( إنّ ) واللام ، كوعدهم عند أخذهم ليوسف ، ولكنهم كانوا كاذبين ، وهنا كانوا صادقين ، فتشابهت ألفاظ الوعد ، واختلفت الحقائق فيها ، وإن الأحكام على الأقوال تؤخذ من الظاهر ، ويقاس فيه الحاضر بالماضي ، وقد كان ماضيهم في يوسف يجعله يخاف من حاضرهم . قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع ، وهو وقوع الأمن ، أي ليس أمنى عليه منكم ، إلا كأمنى على يوسف منكم ، وقد كانت نتيجة الأمن في الماضي أن جئتم تبكون ، وتقولون أكله الذئب ، فلستم أنتم الذين تحفظون أخاكم ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وإنه إذ قال ذلك أبدى عدم ثقته بحفظهم أولا ، وعدم الثقة بما في نفوسهم ثانيا ، وبالنسبة للأول ترك الأمر للّه فهو خير حافظا ، وأخذ موثقا للأمر الثاني فقال : قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً كما سنتلو الآية كاملة من بعده . وإنه في أثناء مبادلة القول مع أبيهم بشأن أخيهم ، وجدوا بضاعتهم في رحالهم ، وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ، ففرحوا أشد الفرح ، و قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي ، ما إما أن نقول استفهامية ، ومعناها أي شئ نريده بعد ذلك ؟ ، لقد طابت الأمور واستقامت . يطيبون بذلك قلب أبيهم ويدخلون في قلبه السرور ، ويصح أن تكون نافية ، أي لا شئ نبغيه ، فقد تحقق كل ما بغينا ، ولا شئ بعد ذلك ، لقد دفعنا الثمن ، وتسلمنا البضاعة هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ويلاحظ أنه عبر عن أخذهم بالبضاعة بقولهم رُدَّتْ إِلَيْنا ولم يقولوا جاءتنا ، وذلك لأنهم صدقوا